سهيلة عبد الباعث الترجمان

740

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين ليعبده من اتبع الرسل من حيث اسمه " الهادي " وليعبده من يخالفه من حيث اسمه المضلّ . فاختلف الناس وافترقت الملل ، وظهرت النّحل ، وذهبت كل طائفة إلى ما علمته أنه صواب ولو كان ذلك العلم عند غيرها خطأ ، ولكن حسّنه اللّه عندها ليعبدوه من الجهة التي تقتضيها تلك الصفة المؤثرة في ذلك الأمر ، وهذا معنى قوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها « 1 » فهو الفاعل بهم على حسب ما يريده مراده ، وهو عين ما اقتضته صفاته " . « 2 » ويعزو الجيلي أمر ذلك إلى الإرادة الإلهية التي شاءت أن يكون الخلق على هذه الصورة في العبادة ، دون أن يقدح ذلك في حق الذات الإلهية إذ أن اللّه غني عن العالمين ، لذلك يقرر " أنه لا ينفعه إقرار أحد بربوبيته ، ولا يضره جحود أحد بذلك ، بل هو سبحانه وتعالى يتصرف فيهم على ما هو مستحق لذلك من تنوع عباداته التي تنبغي لكماله ، فكل من في الوجود عابد للّه تعالى مطيع لقوله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ « 3 » . فمن تسبيح العالمين من يكون في الطاعة ، ومن التسبيح ما يكون في المعصية والضلال . ومع هذا التباين في التعبير عن العبادة ، فالكل غارق في تجلياته ، متوجه إلى عبادته مسبح له « 4 » . وعلى هذا فإن أول العابدين للّه هو أول الخلق ، لأنه فطر على ذلك منذ أوجده اللّه ، وهو آدم عليه السلام ، فقد بدأ العبادة أولا في ولايته قبل نزو - له إلى الدنيا ، ثم تابعها في نبوته قبل ظهور ذريته ، ولم يظهر التباين والاختلاف إلّا بظهور ذريته ، فافترقت بين مؤمن آمن بما في الصحف المنزلة على آدم وهم أتباعه من ذريته ممّن تعلّموا وآمنوا بما في الصحف ، وكافر ممن اشتغل بملذاته واتبع هواه ، فآلت به ظلمة الغفلة إلى الغرور بالدنيا فأنكر وعدم الإيمان بما في الصحف المنزلة وهؤلاء هم الكفار « 5 » .

--> ( 1 ) سورة هود ، الآية : 56 ك . ( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 80 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية : 44 ك . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 80 . ( 5 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 81 .